06/20/12

إين خط الدفاع عن الثورة المصرية؟

أشعر انه يتم استدراجنا الآن إلي معارك ليس لها علاقة بالثورة و أهدافها. الناتج من هذه المعارك هو تقسيم كعكة السلطة بين أطراف عندهم مصلحة في بقاء منظومة الاستبداد التي ثار لتحطيمها المصريون في يناير 2011. 
كان لهتاف “الشعب يريد إسقاط النظام” في الثورة دلالات عميقة تتعدي تنحي حسني مبارك عن رئاسة الجمهورية. منظومة الاستبداد كانت ترتكز علي أربع دعائم هي:
  • عدم الشفافية: لم يكن يعلم الشعب ما يحدث في دهاليز السلطة حيث تحدد مصائره.
  • الانعزالية: كان هناك إحساس عام بالضعف و قلة الحيلة و عدم القدرة علي علي توصيل الآلام و المعانة و الأحلام ل”أولي الأمر”.
  • الهيمنة المطلقة: كانت النظام يسعي لأن يكون المتحكم الذي ليس له منازع في مصائر الخلق. كان هناك إحباط لمحاولات المبادرة الفردية أو الجماعية. حتي المؤسسات الغير حكومية كانت تعاني من تدخل سافر من الدولة في عملها و حرية حركتها.
  • تزييف الوعي: كان النظام يقوم بحملات منظمة لنشر أكاذيبه و إعطاء الإنطباع  انه يعمل من الأجل الشعب و مصالحه في مواجهة قوى خفية تريد الشر لمصر. كان أحد محفزات الثورة أن النظام فقد القدرة علي تطوير أدائه في ظل التطور الرهيب الذي حدث في سبل الاتصالات في العقد السابق.
 هذه الدعائم أدت بدورها لانتشار المحسوبية و الفساد لدرجة جعلت الحياة اليومية للمواطن العادي لا تطاق.  لهذا هتفنا “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” في الثورة و نحن نعترض علي الناتج الطبيعي لهذه المنظومة.
 الآن نري جماعة الإخوان في أوج صراع عنيف من أجل السلطة و ليس من الغريب أن نري كثير من الثوار منحاز إلي الجماعة في هذا الصراع المحموم. العسكر هم من قتل و سحل و عري و عذب و أعتقل من بعد التنحي. الإخوان و إن كانوا تخلوا عن رفقائهم في الثورة  لم تلطخ أيديهم بالدماء (علي الأقل بالشكل المباشر).  قد يبدوا لكثيرون أنهم أولي بالتأيد في هذه اللحظة. هذا علي أساس انه يمكننا أن بعد نساعدهم في سحب كل مقاليد السلطة من العسكر أن نكمل صراعنا معهم كمدنيين أمثالنا.
 أرى في ذلك سقطة فكرية و منهجية شديدة. في قراءتي لأحداث ما بعد التنحي أري أن الإخوان هم شديدي الحرص علي الحفاظ علي الدعائم الأربعة السالف ذكرها. آري في تنظيم الإخوان الداخلي تكريس لهذه الدعائم و لهذا لا أستطيع أن أراهم محطمون لها. و إن كنت أرى في بعض شبابهم بصيص لبادرة أمل و لكن قياداتهم لا أمل فيهم و لا رجاء.
صراع القوى القائم اليوم بين الإخوان و العسكر ليس له علاقة بما أراه انه الهدف الرئيسي المستتر لقيام الثورة و هو:

بناء نظام سياسي و اقتصادي  بتميز بالشفافية و الانفتاح و يتيح لأفراد المجتمع كامل الحرية في اتخاذ المبادرات الإصلاحية و العمل لحل مشاكل الوطن بشكل جمعي. 

هذا الهدف يستحيل تحقيه طالما لم تهدم دعائم الاستبداد.  لا أري جدوي من إهدار الثوار لمجهوداتهم في “حروب رمزية” ضد المجلس العسكري أو أن يهبوا لمساعدة الإخوان طالما إن هناك غياب للرؤية في كيفية تحطيم هذا الدعائم. الأفضل هو استغلال اللحظة لرسم مسار لتحطيم هذه الدعائم العفنة و استبدالها بدعائم أكثر نبلاً و فاعلية لتحقيق أمال المصريين في إطلاق طاقاتهم الإبداعية و الإصلاحية. 
الهتاف في التحرير ضد النتائج الطبيعية لمنظومة الاستبداد لن يغير من الواقع شيئ طالما لم تصحبه رؤية واضحة لخلق نظام أفضل. المعركة الآن يجب أن تكون من أجل خلق  دعائم لنظام جديد و نشر التوافق عليه.
09/26/11

اللعنة على الأخلاق

لعل عنوان هذه التدوينة قد يستفزك و قد يثير حفيظتك و لكن هذا العنوان هو أصداء لعبارة تتردد فى غد غير بعيد، يوم تسقط فيه الأقنعة عن من يستخدمون عبارت أخلاقية كسياط على عباد الله من أجل فرض سلطة و كسب منفعة. فى هذه التدوينة أسرد لبعض من الأمثلة على ذلك.

انا مثل والدك ومن حسن الخلق ان يحترم الصغير الكبير
فى أغلب الأحيان تكون ترجمة “الإحترام” هو السمع و الطاعة بدون اي تفكير او نقض. هذه المقولة طالما سمعتها تتردد من رؤساء لمرؤسيهم أو من معلمين لتلاميذهم. هذه العبارة كافية لقتل اى حوار او نقاش و ان حاول “الصغير” المضى قدماً فى عرض مشكلته او  مظلمتة يكون قليل الأدب و ناقص التربية.

على من يطالبون بالحرية ان يعرفوا ان الحرية لها ضوابط و ليست قلة أدب
هذه العبارة و مشتقاتها تصيبنى بحالة حنق شديد. أغلب مرددوا هذه العبارة هم من ارتضوا الزل و تمرمغوا فى خيرات الهوان. فبأى حق ينصبون انفسهم اوصياء على الحرية و أخلاقياتها و أى جرأة هذه تجعلهم خبراء فى شئ لم يتذوقونه و لم يناضلوا من أجله. المراد من هذه العبارة هو “أعمل ما تريد و لكن لا تقترب من مصالحى حتى ولو كنت تجنيت عليك” أو فى أغلب الأحيان “كفاية صداع الحرية، نريد للحياة ان تسير كما كانت بدون أدنى تغير”.

على الشاب او الشابة  المحترمة او المتدين أن …..
ربما هذه اسوء العبارات على الإطلاق وكثيراً ما تستخدم لقولبة الفكر أو الوعى. انها تخلق أشكال نمطية من البشر فاقدة الروح و عاجزة عن الرؤية او الإبداع. إن من تجرعوا هذا العبارة و مشتقاتها فى الصغر و إستسلموا لتبعاتها مكبلين الحركة و فى خوف دائم من تصرفاتهم. هم فى حالة من عدم السلام الداخلى و يشعرون بوطئة القهر الفكرى و المعنوى و لكن لا يجدون سبيلاً للخلاص من هذا القهر بدون أن بفقدوا إحترامهم لذواتهم. كثيراً من مرددوا هذه العبارة هم من ضحاياها.  إقناع الآخرون بها و التصرف على ضوء مثل هذه العبارة انما يعطيهم نوع من الطمأنة انهم ليسوا بدون رفقاء فى سجنهم هذا. ولكن الأسوء هم من يستخدمون هذه العبارة من أجل ان يتحكموا فى تصرفات خلق الله لتحقيق غايات دنيئة تحت زعم نشر الفضيلة و الدين و الأخلاق.

هذه بعض الأمثلة القليلة من إستغلال البعض لمقولات فى ظاهرها دعوة للأخلاق و الفضيلة و فى باطنها فرض السلطة و الإستغلال. و انا هنا لست ادعوا لعدم إحترام الكبير او الفوضى أو البعد عن القيم الفطرية الأصلية التى  تدعوا إليها الرسالات السماوية ولكن  لأوضح ان كثيراً ممن يتشدقون بالأخلاق هم فى كثيرمن الأحيان أكبر خطر عليها.  سوف يأتى اليوم عندما يكون إستنزاف المعانى و الكلمات قد أكتمل و يهتف كل من ضاق بالأصفاد الحريرية “اللعنة على الأخلاق!”.